العودة   منتديات الشبول سات > المنتديات العامة والمنوعة > منتدى الأبحاث والكتب والبرامج التعليمية

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 12-24-2011, 12:02 PM
الصورة الرمزية ابو فارس
ابو فارس ابو فارس غير متواجد حالياً
 




معدل تقييم المستوى: 0 ابو فارس على طريق التميز
افتراضي رحلة الخط العربي من المسند… إلى الحديث





أحمد شوحان

إلى عاشقي الخط العربي الذي نزل به القرآن فزاد في جماله جمالاً.
الذين يعكفون على إحياء هذا التراث الرائع، والسحر الحلال، الذي يفخر به العرب وغيرهم.
أولئك الذين يعملون بصمت، ويعيشون بعيداً عن الأضواء، والشهرة، والجاه والمال.
أولئك هم المخلصون حقاً.
أتقدم إليهم بهذه الرسالة المتواضعة عرفاناً بجميلهم، وتقديراً لمواهبهم.

للخط العربي ومنذ عهد بعيد، سحرهُ وجمالهُ وجاذبيتهُ، يستوقف الناظر ويثير الدهشة والإعجاب. ولو تأملنا تلك الرسائل المتبادلة بين الخلفاء والملوك، والتي كتبت على الرق، ومن ثمَّ على الورق، لرأينا إبداعها، وهي تكشفُ عن مفاتن خطوطها وتكويناتها وإيحاءاتها وأصالتها ودلالاتها..
وهي إن دلّت على شيء فإنما تدل على براعة ومهارة الخطاطين لها. إنهم يرسمون الحرف، فينطق بالكثير مما هو بديع ورائع.
إنهم يعزفون على أوتاره الحساسة والرفيعة، فتأتي الكلمات مفعمة بكل ما هو جميل وأصيل ومشعة ببهائها ورونقها وقناديلها.
ومن يتأمل قباب المساجد وجدران المعابد ونقوشات المدارس والبيوت القديمة، يجد فيها الكثير مما نحن بصدده.
وكتاب (رحلة الخط العربي… من المسند إلى الحديث) للباحث القدير أحمد شوحان، يسافر بنا إلى حيث نشأة الخط العربي ومراحل بلوغه الأفضل والأجود مستلهماً التراث العربي والإسلامي والرؤى الإبداعية المعاصرة وصولاً إلى تجلياته المبتكرة والحديثة.
هي رحلة ممتعة تلقي الضوء على الخط العربي منذ أن وجد طريقهُ إلى شواهد القبور والآثار وحتى يومنا هذا، وقد تألق عبر لوحات حديثة ومعارض لا تقل أهمية عن باقي أنواع الفنون التشكيلية الإبداعية.
هي رحلة مكثفة وموجزة ومفيدة لمن يرغب التعرف على بدايات الخط العربي والتماعات التجديد والتجريب، والإضافات المستمرة ومحاولات البحث عن أشكال أكثر تحرراً وأشكالاً.
ما أحوجنا في أيامنا هذه إلى مثل هذا الكتاب، ليكون معيناً للدارسين ولعشاق الخط العربي، للاستفادة مما يرد في ثناياه وفصوله من معلومات ومعطيات وإضاءات.
نتمنى لمؤلفه كل النجاحات والتوفيق والمزيد من المساهمات المثمرة والإيجابية في هذا الميدان


د. خيال الجواهري.








المقدمة


الحمد لله الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم.
والصلاة والسلام على محمد النبي الأمي الذي بعثه الله رحمة للعالمين وجعل من أمته الأمية خير أمة أخرجت للناس، كانت في جاهلية جهلاء، فأنزل الله على رسوله (إقرأ) فأصبحت بها حين قرأت وكتبت معلمة العالم، وحاملة راية الفكر والعلم عن بني البشر قروناً.
وفي هذه الرسالة اللطيفة نسير مع الخط العربي، هذا الحرف المقدس الذي نزل به القرآن الكريم، وجعل النطق به عبادة لله التي لا يقبل الله صلاة بغيره.
وجعل فيه سر إعجازه وبيانه، فزاد هذا الحرف جمالاً إلى خصوصياته، مما جعل الخطاطين عبر العصور وفي سائر البلاد التي يوجد فيها فنانون وخطاطون يتبارون في رسم حروفه فيطرزونها وينمقونها، ويجعلون من هذا الحرف الصامت حرفاً ينطق بحركة الحيوية، ليعبر عن جماله في تلك الأشكال والحركات التي جعلته يتكلم من غير لسان، وتفوح رائحته العطرة من خلال متابعة الكلمة الواحدة حرفاً حرفاً.
لقد تناولت في هذه الرسالة المتواضعة رحلة الخط العربي منذ أن كان في أعماق الجزيرة العربية (مسنداً) على القبور والآثار إلى أن أصبح لوحات حديثة في المتاحف ومعارض الخط، وذلك من خلال وجهة نظري ككاتب وباحث لا من وجهة نظر الفنان والخطاط الذي يتابع الحرف والكلمة لدى المبدعين وذوي الاختصاص، ولذا أرجو المعذرة من هؤلاء الخطاطين الذين ينظرون إلى الكتابة عن الخط وتاريخه كما ينظرون إلى جمالية الخط وإبداع الخطاط في لوحته.
وسيجد القارئ الكريم في الباب الثالث (الخطاطون العظام) تراجم المشهورين من القدماء والمحدثين، وإن كنت قد اختصرته على أقل القليل بغية الإحاطة بحياتهم، وتيسيره للقارئ.
أرجو الله أن يوفقني لما يحبه ويرضاه لخدمة تراثنا العربي والإسلامي الذي نعتز به، إنه نعم المولى ونعم النصير.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

دير الزور في 15 رمضان 1421هـ
الموافق 11 كانون الأول 2000م.

أحمد شوحان









الخطاط


هو الفنان الذي يجعل من الحروف العربية لوحة فنية يقف أمامها المشاهد مبهوتاً يفكر في دقة الكتابة، وروعة القصبة، وعبقرية الخطاط.
ولا يقتصر الخطاط على صناعة لوحة فنية من الحروف العربية، لكنه يصنع منها لوحات كثيرة، كل واحدة منها تحكي براعته في صناعة تلك التحف التي يعجز عن مثلها النحات والمصور والمغني والكاتب ونحوهم.
إن الخطاط المبدع هو الذي يجعل موهبته في اللوحة تتكلم من خلال رشاقة الخط، وتناسق سطوره، ومدّاته وحركاته.
ونلمس قدرة الخطاط في إتقان مهنته، عندما نقف أمام لوحة من لوحاته فنجد حبرها متكاملاً في بداية الحرف الأول، ومتواصلاً في ذلك إلى نهاية الأخير، وأن قلمه (القصبة) التي كتب بها تناسب قطَّتُها حجم الخط ومساحة اللوحة، والقلم الذي يكتب فيه على ورق أو كرتون يختلف فيه نوعه وحجمه عما يكتب فيه على الخشب والجص والرخام والجلد والبلاستيك والزجاج والقماش وغيرها من مختلفات المواد.
وإذا كان الخطاط اليوم يستعمل الفرشاة في أغلب اللوحات فقد كان قديماً يكتب كل ذلك بالقلم (القصبة)، وحينما اخترع المتأخرون القصبة من معدن اعتبروا ذلك عيباً في الخطاط لأن قصبة الحديد لا تعطي ما تعطيه القصبة النباتية.
إن الخطاط فنان مبدع، يستحق الانحناء والتكريم تقديراً لما يقدمه من لوحات خطّية للأجيال القادمة.


فضل الخط
الخط والكتابة وجهان لعملة واحدة، وهما عصارة فكر الإنسان الذي فكر في الإبداع منذ الأزل، وسيبقى يفكر في خلود الذكر والأثر إلى الأبد.
لقد راح الباحثون يقلّبون أوراق السالفين للوصول إلى المعلّم الأول لفن الخط؛ فكانت الآية الكريمة  اقرأ وربُّك الأكرم، الذي علّم بالقلم( ).
هي المعْلَم الذي يأخذ بيد الباحث إلى أن الله سبحانه هو المعلِّم الأول لقوله: علّم بالقلم.
وقد تحدّث العلماء عن فضيلة الخط، وجمالياته، وأسباب انتشاره أو انحساره، وتطوره وجموده، وكتبوا في ذلك الكثير، فنحن نرى الأبجدية الإنكليزية تغزو العالم في القرون الثلاثة الأخيرة بسبب الغزو العسكري، بينما نجد الأبجدية العربية تنتشر في العالم منذ خمسة عشر قرناً بسبب نشر الدعوة الإسلامية وتقبّل الشعوب هذه اللغة لأنها لغة القرآن ولغة الإسلام، ووسيلة التفاهم بين الشعوب الإسلامية.
وقد عرّف العرب الخط فقالوا: الخط لسان اليد.
وأسلس حاجي خليفة العنان لقلمه فكتب يقول: (ما من أمر إلاّ والكتاب موكل به، مدبّر له، ومعبّر عنه، وبه ظهرت خاصة النوع الإنساني من القوة إلى الفعل، وامتاز به عن سائر الحيوانات)( ).
ونظراً لقيمة الخط فإننا نرى الخطاط مثلاً يكتب الآية القرآنية، أو الحديث النبوي، أو الحكمة البالغة، فيزيد جمالها جمالاً في روعة خطه، وعصارة إبداعه، وإذا كانت اللوحة المخطوطة تحرك القلوب بنصّها، فإن الخطاط يهز مشاعر المشاهدين بجمال عطائه، ولذلك لم نجد خطاطاً واحداً كتب كلاماً سخيفاً ليزيّنه بجمال خطه، فالجمال لا يقع إلاّ على الجمال.
يقول الدكتور علي أرسلان –وهو خطاط وأستاذ بجامعة استانبول:
(يعتبر فن الخط، أصعب الفنون الإسلامية، وذلك لأن الفنان فيه لا يملك في يده غير القلم البسيط، وهذا القلم مسطرة الخطاط وبِرْجَلُهُ( ) . وهو قسطاسه الذي يعين به أحجام الحروف.
هذا القلم يقوم بأداء كل وظائف الآلات الأخرى التي يمتلكها الفنانون في سائر الفنون الأخرى. لذا تلزم الخطاط خصلتان رئيسيتان هما: القابلية وبذل الجهد)( ).
وبالإضافة إلى كون الخط فناً وذوقاً وجمالاً، فقد كان وما زال مورداً لرزق الكثيرين من الخطاطين والهواة، سواء في محلاّت في الأسواق أو تدريساً وتعليماً، أو تأليفاً وتحقيقاً.
ولذلك اعتبره الأدباء فناً ومورد رزق.
قال ابن المقفع: (الخط للأمير جمال، وللغني كمال، وللفقير مال).
وقال أحد الشعراء:
تعلّم قوام الخط يا ذا التأدب
فما الخط إلاّ زينة المتأدّب

تعلّم قوام الخط يا ذا التأدب
وإن كنت محتاجاً فأفضل( ) مكسب

وهذه المزايا التي امتاز بها الخط العربي من جمال وكمال ومال، قد لا نجدها في خط آخر من خطوط العالم.
قال أبو تمام يصف جمال رسالة جاءته فأعجب بها:
مداد مثلُ خافية الغراب
وقرطاس كرقراق السراب

وألفاظ كألفاظ المثاني
وخط مثل وشم يد الكَعاب

كتبتُ ولو قدرت هوى وشوقاً
إليكِ لكنتُ سطراً في( ) كتاب

وقد امتاز الخطاطون العرب والمسلمون بالجمع بين جمالية المقروء وإبداعية الخطاط الفنان، بمعنى أنهم كانوا يختارون أجمل اللفظ فيودعون فيه أجمل ما لديهم من جمالية الخط وروائعه. وهم بهذا يزيدون جمال المعنى اللفظي جمال الخط، فيكون في ذلك إبداع الصورة والمعنى.
ولقد تحدث عن ذلك القلقشندي حيث جعل الإبداع في الجمع بين الشكل والمضمون فقال: (اللفظ إذا كان مقبولاً حلواً رفع المعنى الخسيس وقرّبه من النفوس، وإذا كان غثاً مستكرهاً وضع المعنى الرفيع وبّعده من القلوب.
كذلك الخط إذا كان جيداً حسناً، بعث الإنسان على قراءة ما أودع فيه، وإن كان قليل الفائدة، وإذا كان ركيكاً قبيحاً صرفه عن تأمل ما تضمنه وإن كان جليل الفائدة)( ).
وحين راح الخطاطون يتفنّنون في الخط فيلغزون فيه ويمشقونه مشقاً( ).بحيث يتحول الخط إلى طلسم ولغز يصعب معرفته، نبّه العلماء إلى ضرورة حسن البيان في الخط وإيضاحه، حتى أن ابن سيرين كان يكره أن يُكتب القرآن مشقاً، ويقول: (أجود الخط أبينَهُ)( ). وذلك لسهولة القراءة، ومن ثم لسرعة الفهم.


  






الباب الأول:

رحلة الخط العربي


1-في العصر الجاهلي
2-في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم
3-في عصر الخلفاء الراشدين
4-في العصر الأموي
5-في العصر العباسي
6-في العصر الأندلسي
7-في العصر الفاطمي
8-في العصر العثماني
9-في إيران
10-في أوروبا








1- الخط العربي
في العصر الجاهلي


عرف العرب الخط منذ غابر العصور وقبل الأبجدية التي عثر عليها في أوغاريت (رأس شمرا) بآلاف السنين.
وقد عثر في الجزيرة العربية وفي أماكن مختلفة على كتابات عربية مدونة بخط (المسند) لذا اعتبره الباحثون والمؤرخون القلم العربي الأول والأصيل وهو خط أهل اليمن، ويسمونه خط (حِميَر).
وقد بقي قوم من أهل اليمن يكتبون بالمسند بعد الإسلام، ويقرؤون نصوصه، فلما جاء الإسلام كان أهل مكة يكتبون بقلم خاص بهم تختلف حروفه عن حروف المسند و دعوه (القلم العربي) أو (الخط العربي) حيناً و (الكتاب العربي) أو (الكتابة العربية) حيناً آخر تمييزاً له عن المسند.
(وكتب كتبة الوحي بقلم أهل مكة لنزول الوحي بينهم، وصار قلم مكة هو القلم الرسمي للمسلمين، وحكم على المسند بالموت عندئذ، فمات ونسيه العرب، إلى أن بعثه المستشرقون، فأعادوه إلى الوجود مرة أخرى، ليترجم الكتابات العادية التي دونت به). وجاء بعد الخط المسند الخط (الإرمي) نسبه إلى قبيلة إرم، وهو الخط الذي دخل الجزيرة العربية مع دخول المبشرين الأوائل بالنصرانية، حتى أصبح فيما بعد قلم الكنائس الشرقية.
وهناك القلم (الثمودي) نسبة إلى قوم ثمود.
والقلم (اللحياني) نسبة إلى قبيلة لحيان.
والقلم (الصفائي) الذي عرف بالكتابة الصفائية نسبة إلى أرض (الصفاة) وهي الأرض التي عثر بها على أول كتابة مكتوبة بهذا القلم.
وقد ذكر الدكتور جواد علي رحمه الله أكثر من عشرين احتمالاً لأول من كتب بالحرف العربي( ).
وإذا كنا اليوم نفتقر إلى تركة تفصّل لنا كل شيء عن المدى الذي بلغه العرب عبر تواريخهم السحيقة، فإننا في نهم شديد إلى البحث لاستكمال ما عثر عليه الآثاريون من لوحات وخطوط وآثار تشير إلى الحضارة العربية في الجزيرة العربية، والحضارة لا يمكن أن تبدع في ناحية وتعقم في أخرى، فالشعب الذي يقيم السدود منذ آلاف السنين لا بد أنه استعمل القلم والمسطرة والفرجار والمثلث، ورسم الأبعاد والجوانب لِما همَّ به قبل الشروع في السدّ، ثم بدأ ما رسمه وكتبه على الورق بتنفيذه على الأرض.








المفصل من تاريخ العرب قبل الإسلام (8/234)



أشكال حروف المسند
المفصل من تاريخ العرب قبل الإسلام (8/220)


2- الخط العربي
في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم

جاء الإسلام مع التطور السريع والنقلة النوعية لأمة تسود فيها الأميّة، وتنتشر فيها عقدة (الأنا) خلال فترة وصفها المؤرخون بـ (الجاهلية) فهي آخر ما امتلكه العرب من روح الحياة الحضارية والمدنية قبل الإسلام، فكان الإسلام نقطة البدء، وعودة الوعي للأمة التي امتلكت زمام الحضارة منذ آلاف السنين الخالية، فأصبحت تتنفس الصعداء بعد هذا الركام الطويل الذي غيّر كثيراً من معالمها، وطمس صفحات من تاريخها، أصبحت مجهولة لدى أبنائها، وأتعبت الباحثين في التنقيب عن أصالة الجذور، ورحلة الأصالة والتطور لهذا الحرف الذي كان نسياً منسياً، فكانت الآية الكريمة(اقرأ) صلصلة الجرس الذي نبّه النائمين أو حرّك مشاعر وأحاسيس الغافلين عن تراث هذه الأمة الذي عفا عليه الزمن.
صحيح أن القرآن الكريم وصف العرب بـ (الأمة الأُميّة) كما وصف الرسول العربي محمد صلى الله عليه وسلم بـ (النبي الأُمي) وهذا الوصف للعرب لا يعني (التعميم) إنما يعني صفة الغالبية، ولا يعني بأميّة النبي صلى الله عليه وسلم صفة الجهالة والتخلف، إنما يعني الاعتزاز والثناء على شخص لا يحسن القراءة ولا الكتابة، ولم يتعلمهما عند من يحسنهما كما هو مألوف لدى الكثيرين من العرب وأهل مكة؛ ومع تلك الأميّة التي وصفه القرآن بها استطاع أن يصنع أمة متعلّمة، عالمة، داعية للعلم وآخذة بزمامه.
ومنذ أن نزلت أول آية وأول سورة من القرآن الكريم وهي سورة العلق وآية إقرأ( ). راح هذا النبي الأمي صلى الله عليه وسلم يدعو للأخذ بزمام العلم، ويحث أصحابه على التعلّم، حتى أن الباحث في القرآن الكريم سيجد أن كلمة (علم) وردت مئات المرّات داعية إليه، أو حاثة على الأخذ به، أو مثنية على أهله.
من هنا نستطيع أن نقول إن الخطوة الفنية والجمالية الأولى للخط العربي بدأت مع بزوغ شمس الإسلام في غار حراء، حيث نزل جبريل مخاطباً النبي صلى الله عليه وسلم:  إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم( ).
بعد ذلك دخل العرب إلى دنيا التقدم والإبداع، وقدّموا للعالم فنوناً لم تكن تخطر على بال أحد، فقد ألفت المجتمعات القديمة الفن في الصور والتماثيل، لكن العرب بعد الإسلام جعلوا الخط العربي فناً من الفنون، حيث يقف المشاهد مشدوهاً أمام لوحة الخط يتفحّص ويدقّق نظره في الجهد الذي بذله الخطاط، والدقّة التي وصل إليها من خلال جهود مضنية، ومقاييس متقنة للوصول إلى هذه اللوحة الرائعة التي هي (الخط العربي).
قلنا: إن نزول سورة العلق هي بداية الرحلة الرائعة التي انطلق منها الخط العربي، من خلال دعوة الإسلام للعلم، وحث الناس جميعاً ذكوراً وإناثاً للأخذ بزمامه.
وكان لآية إقرأ أبلغ الأثر في حثّ العرب على التقدم العلمي، والعلم الذي دعا إليه الإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم قراءة وكتابة، وتجويد الكتابة في الفن والذوق، وهل أجمل من أن يكتب الكاتب سطراً على عظم أو جريد نخل أو رقائق حجرية ليحفظ لمن يأتي من بعده القيمة العلمية أو الفنية التي يتضمنها ذلك السطر!!.
إنه جهد كبير عاناه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم لتدوين القرآن، خلال ظروف قاسية.
لقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على الكتابة كما حث على القراءة، وحيث أن عصر الدعوة الأول هو بداية التأسيس، فقد انصبّت جهود الداعية الأول إلى كافة الجوانب لنشر الدعوة بين الناس في موطنها الأول مكة المكرمة، ثم نقلها إلى كافة الجزيرة العربية، ومن ثم تعميمها إلى الأقطار الأخرى.
نستطيع أن نقول: إن بداية إبداع الخط العربي بدأ في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن تلك البداية المتواضعة طوّر الخطاطون خطوطهم فيما بعد. وقد ترك لنا هذا العصر عدداً من الرسائل التاريخية القيمة التي أرسلها الرسول صلى الله عليه وسلم للنجاشي في الحبشة، والمقوقس في مصر، وملك البحرين، وملك الروم في دمشق، وهي ذات قيمة تاريخية كبيرة.

3- الخط العربي
في عصر الخلفاء الراشدين

تطور المجتمع العربي الإسلامي في زمن الخلفاء الراشدين تطوراً ملموساً، وتغير تغيراً جذرياً، وأصبحت سيادة الدولة بدلاً من زعيم القبيلة، كما أصبح القانون مكان العرف والعادة، ونتيجة لذلك فقد دوّنت الدواوين، وأصبحت للخط مكانة، مما جعل رابع الخلفاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه يحث على تحسين الخط وإتقانه، لأن المرحلة التي كانوا فيها تستدعي قوة الدولة الفتية، ونهضة العلم المتمثلة في البحث والتدوين، وإظهار الفن الإسلامي من خلال الخط العربي، مما يجعلنا واثقين أن الخط العربي (انتشر بنمو الإسلام وامتداده، ووصل في زمن قصير إلى جمال زخرفي لم يصل إليه خط آخر في تاريخ الإنسانية)( ).
فلما انتهت الخلافة الراشدة كان الخط قد برز كعلم وفن، له قواعده وأصوله، وأخذ يتحفّز لينطلق من الجزيرة العربية شرقاً وغرباً وشمالاً، مع سرعة الفتوحات الإسلامية في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتوسعها خلال الفترة الأموية.
لقد كانت بدايات النهضة العربية في زمن الخلفاء الراشدين، الذين أرسوا قواعد الدولة الفتية، وبدؤوا في التغيير الملائم، وحيث أن الحياة بدأت تتغير، فقد تغيروا بما يلائم الحداثة والعصر الجديد، فحين انتشر اللحن لاختلاط العرب الأقحاح بالعجم، رأى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يضع ضوابط للّغة العربية، وكانوا قبل ذلك لا يحتاجون إليها لسلامة نطقهم، ونقاء فطرتهم، فأوعز لأبي الأسود الدؤلي أن يضع تلك القواعد الثابتة في النحو.
إن هذا التطور في الخط العربي فرضته الظروف التي تغير العرب بسببها من حال إلى حال، ولو بقوا على ما كانوا عليه لما احتاجوا إلى وضع الحركات والشكل، وابتكار النُّقط التي ميَّزت بعض الحروف عن بعضها.

4- الخط العربي
في العصر الأموي
أحرز الخط في العصر الأموي تقدماً ملموساً على ما كان عليه في العصرين السالفين، عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وعصر الخلفاء الراشدين، واستطاع أن يُبرز ولأول مرة الخطّاطَ، ومهنته إلى الوجود؛ رغم أن الحروف كانت خالية من النقط، وقد لمع نجم عدد من الخطاطين يأتي في مقدمتهم الخطاط الشهير (قُطبة المحرر) الذي ابتكر خطاً جديداً يعتبر مزيجاً من الخطين الحجازي والكوفي، وسمي هذا الخط بالخط (الجليل) حيث استعمله قطبة ومن عاصروه أو جاؤوا بعده في الكتابة على أبواب المساجد ومحاريبها.
ولم يكن خط (الجليل) هو كل ابتكار قطبة، ولكنه ابتكر عدة خطوط أخرى، أجاد فيها وأحسن منها (خطّ الطومار وهو أصغر من سابقه، وكذلك اخترع قطبة خط (الثلث) و (الثلثين) وذلك حوالي عام 136هـ)( ). وكان له فضل السبق في ذلك.
وخط الطومار يعني (خط الصحيفة) وجمعه طوامير، وقد سمّاه الأتراك خط (جلي الثلث).
وراح الخطاطون في العصر الأموي –ولأول مرة- يخطُّون خطوطاً جميلة تزين القصور والمساجد والخانات، ويكتبون بهذه الخطوط في سجلاّت الدولة الفتية ودواوينها الحديثة، فنالوا حظوة لدى الأمراء والخلفاء، وجعلوهم في صدارة مجالسهم، واستعملوهم في دواوينهم. وأصبحنا نرى هذه الخطوط الحديثة الجميلة في هذا العصر تزين القباب والمآذن والمساجد والقصور التي حُلِّيت بالفسيفساء والخشب المحفور والمطعم بالفضة والمعادن والزجاج، ليس في العاصمة دمشق فحسب، بل في أبعد المدن القاصية عنها والثغور، وهذا ما نراه واضحاً بعد أكثر من أربعة عشر قرناً في المسجد الأموي في دمشق، وقصر الحير الشرقي، وآثار رصافة هشام، ومحراب المسجد الأقصى وقُبَّته وغيرها.
كان الخطاطون في العصر الأموي يكتبون في سجلاّت الدولة بخط (الثلثين) الذي أطلقوا عليه لكثرة ما كتبوا به السجلاّت اسم خط (السجلاّت) (أما خلفاء بني أمية فكانوا يكتبون بخط الطومار وبالخط الشامي)( ).
وقد نشط عدد من الخطاطين في هذا العصر، لعبوا دوراً هاماً في النهوض بالخط كحركة فنية فتية يأتي في مقدمتهم:
1- خالد بن أبي الهيّاج. وقد كتب عدداً من المصاحف.
2- مالك بن دينار. الذي غلب عليه الزهد والورع فذكروه في عداد الفقهاء والمحدثين وتوفي سنة 131هـ (753م).
3- الرشيد البصري.
4- مهدي الكوفي.
ثم اشتهر خطاطون آخرون لا يقلّون عن سابقيهم شهرة وعدداً انتشروا في الأمصار البعيدة عن مركز الخلافة منهم:
1- (شراشير المصري.
2- أبو محمد الأصفهاني.
3- أبو الفرج.
4- ابن أبي فاطمة.
5- ابن الحضرمي.
6- ابن حسن المليح)( ).
لقد كان لخلفاء بني أمية الدور الأكبر في نهضة الخط العربي، ودفعه إلى الأمام لمجاراة النهضة الشاملة للدولة الإسلامية التي أرسوا أسسها، ليبني اللاّحقون لهم على أُسس المتينة.


5- الخط العربي
في العصر العباسي

ما كاد الخطاطون يتربعون على عرش الخط في دمشق حتى زلزل العباسيون عرش الخلافة الأموية فيها، فاتجهت أنظار الخطاطين والفنانين إلى بغداد عاصمة الدولة العباسية، ومدينة الخلفاء العظام المنصور والرشيد والمأمون، وطبيعي أن يرحل إليها الخطاطون كما رحل إليها الأدباء والعلماء، ليكونوا أقرب إلى الخليفة والدولة وينالوا أجر إبداعهم من الخلفاء والأمراء والموسرين وغيرهم.
وإذا كان العصر الأموي عصر تأسيس وبناء، فإن العصر العباسي عصر ازدهار ورخاء وبذخ، وفي مثل هذا العصر لابد أن يزدهر كل فن، وينبغ كل من يمتلك أدنى ملكة فنيّة أو علمية.
لقد ذاعت شهرة الخطاط (الضحاك بن عجلان) في خلافة أبي العباس السفاح، والخطاط (إسحاق بن حماد) في خلافتي المنصور والمهدي، حتى (بلغ الخط في عهدهما أحد عشر نوعاً)( ).
وتعددت أقلام الخطاطين وخطوطهم في عهد هذين الخطاطين حتى كانت مضرب المثل في إظهار ملكتهم في الحرف العربي. فلما جاء عصرا الرشيد والمأمون نضجت العلوم والفنون والمعارف، وراح الخطاطون يجوّدون خطوطهم، وينافسون في ذلك، حتى زادت الخطوط على عشرين خطاً، منها المستحدث ومنها المطوّر، فقد طوّر الخطاط إبراهيم الشجري (الثلث والثلثين) أكثر مما ابتدعه الخطاط قطبة المحرر، وقبيل نهاية القرن الثالث اخترع الخطاط يوسف الشجري أخو إبراهيم الشجري خطاً جديداً سمّاه (الخط المدوّر الكبير) حيث أعجب الفضل بن سهل وزير المأمون، فراح يعمِّمه على جميع الكتب السلطانية الصادرة عن دار الخلافة، فأطلقوا عليه (الخط الرياسي) بينما انتشر عند سائر طبقات المجتمع باسم (خط التوقيع) وقد استطاع الخطاط الأحول المحرر البرمكي أن يأخذ عن إبراهيم الشجري، وأن ينجح في اختراع خط جديد اسمه (خط النصف) الذي تفرعت منه خطوط جديدة فيما بعد)( ).
وجاء أبو علي محمد بن مقلة الوزير (272-328 هـ) فضبط الخط العربي، ووضع له المقاييس، ونبغ في خط الثلث حتى بلغ ذروته، وضرب به المثل، وحسده الآخرون.
كما أحكم خط المحقق، وحرر خط الذهب وأتقنه، وأبدع في خط الرقاع وخط الريحان، وميَّز خط المتن، وأنشأ الخط النسخي الحاضر وأدخله في دواوين الخلافة، وقد ترك ابن مقلة في الخط والقلم رسالته الهندسية( ).
وقد زاد ابن مقلة في الأوساط الفنية كخطاط أنه كان وزيراً لثلاثة خلفاء، ولفترات مختلفة، فقد كان وزيراً للمقتدر، وللقاهر بالله وللراضي بالله.
وحينما غضب عليه الخليفة، قطع يده اليمنى لكنه لم يترك الخط، بل كان يربط على يده المقطوعة القلم حينما يشرع في الكتابة، ثم أخذ يكتب بيده اليسرى فأجاد كما كتب بيمناه.
واستمرت رياسة الخط لابن مقلة حتى القرن الخامس، فاشتهر علي بن هلال (المعروف بابن البوًَّاب) والمتوفى سنة (413 هـ) فهذّب طريقة ابن مقلة في الخط، وأنشأ مدرسة للخط، واخترع الخط المعروف بالخط (الريحاني)( ).
ولو أردنا سبر المصاحف التي خُطَّت في العصر العباسي لتبيّن لنا أن معظمها (ترجع إلى القرن التاسع الميلادي، وهي مكتوبة على الرِّق بلونه الطبيعي، أو الملوّن الأزرق والبنفسجي أو الأحمر، وبمداد أسود أو ذهبي، وتظهر الحروف الكوفية فيها غليظة ومستديرة وذات مدَّات قصيرة، وجرَّات طويلة( ).
وبلغت الخطوط في أواخر العصر العباسي أكثر من ثمانين خطاً وهذه الكثرة شاهد على تقدم الفن والزخرفة إلى جانب الخط. وظهر في العصر العباسي خط اسمه (الخط المقرمط) وهو خط ناعم، حتى راح الخطاطون يتفنَّنون في رسم المصاحف رغم صغر الحجم، فهم يزوّقونها، ويعتنون في جميع صفحاتها التي قد تصل إلى أدنى من (6×8 سم) وقد استطاع الخطاط أن يبري قلمه إلى جزء من المليمتر.
ولم يكن الخط العربي وقفاً على الرجال في العصر العباسي، بل نجد المرأة تبرز في هذا المضمار الفني العريق، ففي القرن التاسع الميلادي كانت هناك امرأة برزت في النسخ وجودة الخط، فأعجب بها أحمد بن صالح وزير الخليفة المعتضد، وكتب عن براعتها ما يلي: (كان خطها كجمال شكلها، وحبرها كمؤخر شعرها، وورقها كبشرة وجهها، وقلمه كأنملة من أناملها، وطرازها كفتنة عينيها، وسكِّينها كوميض لمحتها، ومقطَّتها كقلب عاشقها)( ) حقاً لقد بلغ الخط في العصر العباسي ذروته.


عن كتابخانة عمومي حضرت اية الله مرعشي نجفي(ص63)


6- الخط العربي
في العصر الأندلسي

لم تكن شبه الجزيرة إيبريا (إسبانيا) شيئاً مذكوراً قبل الفتح العربي الإسلامي لها، ولم يكن فيها من الفنون ما يشجع الباحث لشدّ الرحال إليها لدراسة ما فيها من فنون وزخارف. رغم كونها بوابة البحر الأبيض المتوسط للوصول إلى الشرق الحافل بالفنون منذ القديم، ورغم كونها ذراع أوروبا الممتد نحو أفريقيا والوطن العربي وأوروبا نفسها.
وإذا ما قيس واقعها قبل الفتح العربي الإسلامي لها إلى ما آلت إليه بعده، نجد البون واسعاً، والمسافة طويلة. فقد أصبحت تحمل اسم الأندلس، وأصبحت آية في الجمال والذوق الفني، مما شجع الإسبانيين أنفسهم للتخلّي عن لغتهم الأم، والإقبال على اللغة العربية التي أصبحت لغة العلوم ولغة العصر يومذاك، فهم ينهلون منها بشغف زائد، ويحرصون على تعلمها لأنها أصبحت لغة الثقافة العالمية.
وكان اهتمامهم في هذا المضمار واسعاً، فقد أهملوا لغتهم الأصلية وأقبلوا على اللغة العربية بعشق منقطع النظير، فتركوا قراءة الكتب المقدسة بغير لغة الضاد، واعتبروا اللغة اللاتينية، لغة ثانية، واللغة العربية هي اللغة الأم، إذ ترجمت التوراة والإنجيل للعربية، وبها قرئت في الكنائس. لقد كان دخول العرب المسلمين إلى إسبانيا انقلاباً جذرياً في عالم الثقافة والفكر، ومع دخول الإسلام إليها دخلت في عالم الحضارة والمدنيّة.
دخل الحرف العربي إلى كافة مرافق الحياة، فهو في سطور الكتاب، وهو في زخارف اللوحات، وهو في زخارف البيوت والمساجد ومراكز الولاية، وقصور الحكام، والأمراء والسلاطين، وهو في الكنائس والكاتدرائيات، وبه يقرأ المسلم القرآن في صلاته، والنصراني في إنجيله، واليهودي في توراته، وأصبح الأدباء والشعراء والمؤرخون والفنانون من الأديان الثلاثة يكتبون به، وكما دخل الخط الكوفي الأندلسي إلى المساجد فقد دخل الكنائس النصرانية والبيعَ اليهودية عن رغبة وشوق زائدين، لأن غير المسلم وجد فيه وسيلة للثقافة، ودفعاً للفن الرفيع.
وازدهرت الأندلس، ونسي المجتمع الذي عاش فيها متآخياً قروناً طويلة اللغة التي كانت سائدة في الأندلس قبل دخول المسلمين إليها، مما دفع ملوك أوروبا إلى إرسال أولادهم إلى جامعات الأندلس لتعلّم العلوم، والعودة بعد إتقانها إلى بلادهم، مما جعلهم يبذرون في أوروبا بذور العلم لنهضة تتناول كافة وجوه الحياة. ولكن بعد قرون من دخول العرب إلى الأندلس. وهذا ما جعل كبار المفكرين والمؤرخين يفخرون بالتغني بأيام العرب في الأندلس وإطلاق الحسرات على تلك الأيام، فيما نقلته زيغريد هونكه حيث قالت: (على بساط من نبات المسك والعنبر يتثنَّى، وتصفّر الريح خلاله، كانت أقدامنا تسير)( ).
واستمر الحرف العربي في الأندلس ثمانية قرون، كان خلالها مثالاً يحتذى للنهضة العلمية الرائعة التي خلّفها العرب في الأندلس، والتي أصبحت فيما بعد أنموذج المجتمع الإسلامي المثالي لمن أراد أن يعمل بروح الإسلام. وكانت الابتكارات الكثيرة، والاختراعات العجيبة.
وكان من بين تلك الاختراعات آلة الطباعة الحجرية التي كانت مستعملة في القرن التاسع عشر (فقد كان لعبد الرحمن كاتب اعتاد أن ينشئ الرسائل الرسمية في منزله، ثم ينفذها إلى ديوان خاص يصير فيه إظهارها على الورق، وهو نوع من الطباعة فتصدر في نسخ متعددة، توزع على عمال الدولة)( ).
وانتعشت أسواق الكتب في سائر المدن الأندلسية، وأصبح في كل مدينة سوق لبيع الكتب ومزاد لبيع الكتب بالمزاودة (بازار) وأصبح المخطوط العربي تحفة من التحف التي يزيّن بها الأثرياء قصورهم، ومادة أساسية لطلاب العلم الذين جعلوا غرفة في بيوتهم ذات رفوف وخزن كمكتبة خاصة لهم.
إضافة إلى عشرات المكتبات العامة في كل مدينة، يرتادها الفقهاء والعلماء والأدباء والشعراء.
وكانت أجمل هدية يتلقاها الملك فريدريك الثاني من أبيه ثياباً جميلة مطرّزة الأذيال والأردان بخط عربي بديع واضح، يقول فيه الخطاط بعد أن انتهى من نسجه وتطريزه: (بمصنع الملك مقر الشرف والحظ السعيد، مقر الخير والكمال، مقر الجدارة والمجد، في مدينة صقلية عام 528هـ)( ).
وهل اكتفى هذا الخطاط العربي بإتقان الخط العربي على لباس الملك الصقلي؟!
لقد رسم الفنون العربية أيضاً في بيئة لا تعرف أمثالها، فقد أملى عليه ملك صقلية روجر الثاني ابن الكونت روجر الأول الذي طرد العرب من صقلية بعد أن بقي العرب في هذه الجزيرة قرابة قرنين ونصف قرن، أمر الملك الخطاط العربي أن يرسم له على ثوبه صورة لأسدين يضربان جملين فيصرعاهما وذلك يرمز إلى أن الملك الصقلي الذي رمز له بصورة الأسد انتصر على الحاكم العربي المسلم الذي رمز له بصورة جمل( ).
أصبح الكتاب العربي في كل بيت، وأصبح المخطوط العربي في كل مكتبة، ولا يمكن أن يخلو شارع من شوارع غرناطة وقرطبة وإشبيلية وغيرها من المدن الأندلسية من مكتبة عامة تقدم كافة الخدمات لمرتاديها.
وظل الملوك الذين حكموا الجزيرة بعد خروج العرب وانتهاء الدور الإسلامي فيها يسكّون النقود الإسبانية بحروف عربية، ويزينون ملابسهم بالخطوط العربية المذهبة والمطرّزة، مع أن الواقع يفرض عليهم أن ينهوا كل ما يشير إلى الوجود العربي والإسلامي في الجزيرة بعد انتصاراتهم على ملوك الطوائف وغياب شمس الإسلام، لكن الواقع المعاش يومذاك والحضارة التي تركها العرب لم تكن بالأمر الهيّن الذي يتنكّر له الملوك والعامة من غير المسلمين، فهم قد طردوا عنصراً عربياً، وطردوا ديناً يختلف عن طقوس دينهم، ولكنهم احتضنوا حضارة راحوا يعتزون بها ويفخرون، ويورثون هذه الحضارة لأولادهم وأحفادهم إلى الآن، فهم يعتبرونها أماكن أثرية إسبانية، كما يعتز العرب الآن في الآثار الرومانية التي خلفها الرومان يوم كانوا يسيطرون على بلاد الشام قبل الفتح الإسلامي.
إن الخط العربي في الأندلس لا يزال رغم مرور أكثر من ألف عام يحكي قصة الفن والإبداع العربي والإسلامي الذي توصّل إليه الخطاط والفنان المسلم في الأندلس حين وجد البيئة المناسبة للإبداع والنبوغ، وحين كان التقدم والعطاء المستمر ديدن كل مبدع، مما يجعلنا حين نقف على ما خلّفه العرب في الأندلس من آثار رائعة نقول: من هنا مرّت الحضارة العربية الإسلامية، ومن هناك عبرت الحضارة الإسلامية إلى أوربا. وفي هذه الأرض المعطاء انتعشت البذور الغضة التي زرعها المفكرون العرب قبل دخولهم إليها وبعده.

***

 

 

رد مع اقتباس
 

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تايجر z500 ونظام الخط سائد البلاسمه قسم رسيفر تايجر TIGER* Z HD 3 05-13-2014 03:34 PM
شرح طريقة تكبير الخط على الايكوم والاشباه ALTAYEB قسم رسيفرات الايكوم & اكس كروز & فور ايفر 3 12-30-2013 12:06 AM
ممكن اخوانى طريقة تكبير الخط yhossban قسم رسيفرات الدريم بوكس Dream-box 3 12-31-2010 03:44 PM


الساعة الآن 03:12 AM
Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2024, vBulletin Solutions Inc.